الجانب المسكوت عنه من نكبة 1948

عمان1:في الأعوام 1947-1948 بينما كانت عصابة الهاغاناه الإرهابية وشقيقاتها تُشرد ما بين 600 ألف إلى 700 ألف فلسطيني وتقضم أرضهم مستولية على كنز يُقدر بـ2.5 مليون دونم زراعية تحت 440 قرية مهجرة و150 ألف دونم من الزيتون و90 ألف دونم من البيارات و20 ألف دونم من كروم العنب وأشجار فاكهة مختلف وتسيطر على منازل وممتلكات قُدرت بما يفوق المليار دولار وتشكل «لجنة متابعة الممتلكات العربية» التي عُنيت ببيع هذه الممتلكات أو إعادة توزيعها على المستوطنين الصهاينة، كان يمشي خلف الهاغاناه جيش صهيوني آخر مشكل من أستاذة الجامعة -يقول باروخ كيميرلنع عن أساتذة الجامعة إنهم كانوا حجر أساس في اللعبة الصهيونية فبصرف عن رفضهم الظاهري لتدخل "الدولة" فإنهم شكلوا فضاءات من النقد عززت بدورها الثقافة المهيمنة/ثقافة "الدولة" الصهيونية- وعلماء الآثار، جيش خفي يسطو على ممتلكات من نوع آخر، أوكلته الجامعة العبرية ومكتبتها "الوطنية" التي دُشن مبناها ذي الطراز المعماري الفرنسي-السويسري لزيادة رصيدها الثقافي والعلمي، كان هذا الجيش يسعى خلف الكلمة المكتوبة.

«يُحظر إخراج أي كتاب عربيّ من نطاق مدينة يافا. ثمة لجنة عيّنها وزير الأقليات برئاسة د. يسرائيل بن زئيف، المختص بالأدب والتاريخ العربيين، ستقوم بجمع كل الكتب العربية في يافا وستقوم بتجميعها داخل المدينة. كل شخص في نطاق المدينة أياً كان، عليه إعلام مكتب الحاكم كي يأتي المسؤلون لأخذه». كان هذا إعلان الحاكم العسكري في يافا مئير لينادو بتاريخ 1 / 9 / 1949 بعد إن تم تفريغ يافا من سكانها بدأت عملية نهب المكتبات الخاصة والعامة بما أحتوته من كتب وصحف ووثائق. قُدر ما جُمع في يافا نحو 40 ألف كتاب جمعته اللجنة المذكورة التي تقتفي أثر العصابات الصهيونية وأُودع تراث يافا الثقافي في مخازن أُعدت لهذا الغرض بدون تصنيف. أما في القدس وفي الاحياء الغربية تحديداً؛ القطمون، الطالبية وغيرها من الأحياء الميسورة فقد أستخرج جيش الجامعة العبرية ما يقارب 30 ألف كتاب من المكتبات الخاصة والعامة رُصفت بدورها في مخازن أُعدت لهذا الغرض. كان مآل الكتب يذهب صوب «المركز الشرقي والدراسات الشرقية» في المكتبة "الوطنية" حيث نُقلت الكتب بأكياس قمحٍ إليها. ويُعنى هذا المركز بـ«ـالإستشراق» وقد يبدو هذا الأمر مزحة، كون إن الزعم الصهيوني والآيديولوجية الصهيونية تنص على إن الصهاينة هم "أصحاب هذه المنطقة" التي أنتقلت لهم عبر جيناتهم وهذا ما يجعلهم ضمن الشرق بالمفهوم الغربي وهذا ما ينص عليه الإستشراق الألماني في القرن التاسع عشر حول اليهود، لكن الصهاينة حقاً يعرفون إنهم قناة نقل إمبراطورية غربية وإنهم ورثوا وظيفة الإستعمار الاستيطاني الأوروبي وعليه دفعوا انفسهم خارج «الإستشراق» وطبقوه على ما حولهم. عند تأسيس هذا المركز في العشرينات من القرن الماضي كان يدرس الشعر الجاهلي وعصور صدر الإسلام والأموي والعباسي، إلا إن حاييم وايزمان بعث بتوبيخ للقائمين على المركز موجهاً إياهم إن الصهيوني لا يحتاج إلى الشعر العربي الجاهلي بل يحتاج أن يعرف الواقع العربي المعاش حالياً، الاجتماع العربي واللهجات المحلية والجغرافيا، هذا ما ينفع الصهيوني في هذا المحيط العربي بغية تطوير علاقاته وفتح الأسواق. وهكذا نشأت وظيفة المركز.
وصلت الكتب إلى هناك كما أسلفنا وفُرزت وهي كتب من شتى المناحي؛ تعليمية، فلسفية تاريخية، علوم أديان، ومن عدة لغات؛ عربية، إنجليزية، ألمانية، إيطالية، فرنسية. ورفدت ترسانة المركز بكتب لم يتخيل علمائه يوماً بالحصول عليها حيث بلغت كتب المركز باللغة العربية عشية إنتهاء الحرب 36 ألف كتاب، ويشير أحد علماء المركز من المتخرجين من الجامعات الغربية إن هذا كان خلاص للكتب من يد «الشرقي» الذي «لا يستطيع فك رموزها والاستفادة منها» إلى يد «الغربي العقلاني».
كان مصير الكتب التي لم يستفد منها المركز أما الحرق، فقد تم تدمير 22 ألف كتب لإحتوائها مواد ضارة للـ"ـدولة" وإنتشارها قد يسبب مشاكل، أو البيع بعد إزالة أسماء أصحابها، فقد تم بيع آلاف الكتب -التعليمية بمعظمها- على العرب الفلسطينيين الذي بقوا في الأراضي المحتلة.
شكلت الكتب العربية الفلسطينية المنهوبة رافداً مهماً للرصيد الثقافي الصهيوني إلى جانب رافدين آخرين هما؛ كتب ضحايا المحرقة النازية، وكتب يهود اليمن التي سيطرت عليها الجامعة العربية أثناء نقلهم صوب الكيان الصهيوني، هذا ما يرويه لنا غيش عَميت في كتابه «بطاقة مُلكيّة».
Carlos Shihab