ألمانيا تطالب اليونان بنزع أسلحتها من الجزر المجاورة لتركيا

عمان1:أصيبت الأوساط اليونانية بالغضب جراء طلب ألمانيا من اليونان سحب السلاح من جزرها القريبة من تركيا، فما سر الطلب الألماني بنزع سلاح الجزر اليونانية؟
فقد ذكرت صحيفة "إستيا" اليونانية أن ألمانيا طلبت من اليونان نزع السلاح من جزرها القريبة من تركيا، فيما تستعد كل من أنقرة وأثينا لاستئناف محادثات بشأن مطالبات كل منهما في البحر المتوسط، في وقت قريب.
ومنذ أسابيع، تخوض اليونان وتركيا، عضوي حلف شمال الأطلسي، مواجهة في البحر بسبب الحدود الملاحية في المنطقة بين ساحل تركيا، وجزيرة قبرص المنقسمة عرقيا وعدة جزر يونانية، وحقوق التنقيب عن موارد طاقة محتملة في البحر المتوسط.
وعنونت "إستيا" صفحتها الأولى، قائلة: "برلين تدفع أثينا من أجل نزع السلاح من الجزر"، قائلة: "كان ظهور السفير الألماني إرنست رايشيل، الخميس الماضي، أمام البرلمان اليوناني مفاجأة حقيقية".
ودشنت ألمانيا، التي تتولى حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، جهود التفاوض، في يوليو/تموز الماضي، للوساطة المباشرة في مفاوضات تركيا- اليونان.

سر الطلب الألماني بنزع سلاح الجزر اليونانية
وأضافت الصحيفة أن السفير الألماني، جاء للبرلمان ليقول: "لا يمكننا إظهار أقصى درجات القسوة تجاه تركيا لأننا إذا فعلنا ذلك فسوف ندمر قدرتنا على التوسط".  ، وأضاف "لسنا محايدين. كيف سنخاطب تركيا، في المجلس الأوروبي المقبل، بتهديد الاتحاد الأوروبي".
ونقلت رويترز، الاثنين، عن المتحدث الرئاسي التركي قوله إن تركيا واليونان قد تستأنفان في وقت قريب محادثات بشأن مطالبات كل منهما في البحر المتوسط، لكن تهديد زعماء الاتحاد الأوروبي الذين سيجتمعون هذا الأسبوع بفرض عقوبات على أنقرة لن يجدي نفعا.
وتدرس دول الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على تركيا بسبب تنقيبها عن الغاز والنفط في المنطقة المتنازع عليها في شرق المتوسط.
وفي محاولة لمنح فرصة للبدء في المفاوضات، قالت صحيفة "إستيا" إن ألمانيا تضغط على اليونان لسحب جيشها من جزر شرق بحر إيجة كما تطلب في الوقت نفسه من تركيا حل جيش بحر إيجة (الرابع) المتمركز في مدينة إزمير الساحلية.
يبدو اليونانين غاضبين من التصرف الألماني، كما يبدو أن ما يخرح عن الوساطة الألمانية قليلة الكلام مناف تمامًا لما يرسمه الإغلام العربي والغربي للصراع، فهذا الإعلام الذي يبتنى وجهة النظر الغربية أو بالأحرى اليونانية، يحاول أن يرسم صورة أن هناك تحرشًا تركيًا باليونان.
ولكن الوقائع المثبتة أن اليونان وقبرص تحاولان دومًا استغلال الدعم الأوروبي لنقض اتفاقاتهما مع تركيا،  بدءً من رفض القبارصة اليونانيين خطة الأمم المتحدة لحل الأزمة الجزيرة مقابل موافقة القبارصة الأتراك، مرورًا بسعي اليونان وقبرص لرسم حدودهما البحرية وتقسيم الغاز والنفط بشرق المتوسط، مع تجاهل تركيا.
ومع أن موازين القوى بين اليونان وتركيا، تميل لصالح الأخيرة، ولكن أثينا تفعل مثلنا فعلت على مدار مائي العام الماضية في صراعها مع الجمهورية التركية وقبلها الدولة العثمانية أي استفزاز تركيا، ثم عندما تبدي أنقرة محاولة للرد تصرخ أثينا طلبًا لنجدة مهد الحضارة الغربية.
وهذه المرة يشجع ماكرون اليونان على هذا السلوك، ولكن ألمانيا أكثر تحفظاً، وهي ليست محايدة كما قال السفير الألماني، فعلاقة برلين متوترة مع تركيا بل إن هناك عداء شخصيًا من النخب الألمانية تجاه أردوغان سببه الرئيسي شعورهم بأنه يحظى بشعبية بين الأتراك الألمان وبالتالي يعيق عملية إذابتهم في المجتمع الألماني، كما تريد هذه النخب (تريد لأتراك ألمانيا أن ينسوا أصلهم).

مشكلة الوساطة الألمانية الكبرى
ولكن أكثر مشكلة محاولات الوساطة الألمانية بين تركيا واليونان، هو أن المسؤلوون الألمان أول من يعلمون أنه في معظم فصول النزاع كانت أثينا هي البادئة، وعندما ترد تركيا أو تنتقد تصرفات اليونان تسارع الأخيرة بطلب الدعم الأوروبي.
إذ تريد اليونان، الدعم الاوروبي لها ضد تركيا سواء كانت على حق أو باطل، وهو موقف يشجعه عليها ماكرون والنخب الليبرالية في شمال أوروبا بينما يتحفظ عليه قادة دول جنوب وشرق أوروبا، وكذلك القيادة الألمانية، ليس لحرصهم على المثل العليا، بقدر أنهم لايريدون التورط في أزمة مع تركيا الجار المهم للاتحاد الأوروبي، بسبب أساليب اليونان التي تشبه سلوك الطفل الذي يورط والديه في معركة كبيرة، وهو البادئ بالإساءة.
وكانت الوساطة الألمانية قد منعت وقوع معركة بحرية بين البلدين، في يوليو/تموز 2020، حسبما قالت صحيفة بيلد الألمانية الشعبية الواسعة الانتشار، التي قالت إن "البوارج البحرية كانت في طريقها (للمعركة)، كما أن الطائرات الحربية كانت تحلق في الجو، لكن الإنقاذ جاء من ألمانيا".
ووفقاً للتفاهمات التي أبرمتها ألمانيا في يوليو/تموز، فإن تركيا أوقفت أنشطة التنقيب، ولكن اليونان خرقت التفاهمات التي توصلها وساطة برلين بتوقيع اتفاق ترسيم الحدود مع مصر، الأمر الذي دفع تركيا إلى استئناف التنقيب.

وتمثل مسألة الجزر اليونانية نموذجاً واضحاً للممارسات اليونانية، فهي كانت جزراً تركية (حتى لو أن سكانها  من اليونانيين) انتقلت السيادة عليها بعد الحرب العالمية الأولى من إيطاليا إلى ألمانيا لبريطانيا لليونان، وملكية أثينا لهذه الجزر مرتبطة بالاتفاقات الدولية التي تجعلها منزوعة السلاح، وهي مسألة يتجاهلها الإعلام الغربي تمامًا ويصور ان تركيا تنكر حقًا طبيعياً لليونان.
ولكن الإعلام الغربي يركز على انتقاد عدم اعتراف تركيا بتصورات اليونان لمياهها الإقليمية بناء على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار التي لم تنضم لها تركيا، (وحتى الولايات المتحدة) أي أن الإعلام الغربي يريد إلزام تركيا باتفاقية لم توقعها، بينما يشجع ويساعد اليونان على التخلي عن التزاماتها المترتبة على عدد من الاتفاقات التي وقعتها اليونان.
وفي هذا الإطار يواجه الدور الألماني صعوبة شديدة، فألمانيا تحديداً هي معقل العداء الشعوبي لأردوغان، والنموذج التركي عامة الجامع بين التوجه الإسلامي والديمقراطية، بينما ميركل تعلم أن المشكلة الأكبر تأتي من اليونان التي تحاول بدعم من فرنسا، خلق رأي عام أوروبي ضد تركيا، في نفس الوقت فإن قادة دول أوروبا الجنوبية والشرقية غير متحمسين لمواقف اليونان وفرنسا، ولكنهم لايريدون أن يبدوا أنهم يفضلون مصالح بلادهم على التضامن الأوروبي الذي تحاول أثينا وباريس ضد تركيا (أغلب هذه الدول مصالحها مع أنقرة أكبر من اليونان).
وتعلم المستشارة الألمانية أن أردوغان مفاوض صعب المراس، ولكنه يلتزم بتعهداته، مثلما فعل في الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي حاول إعادة استقبال معظم اللاجئين الذين يصلون تركيا عن طريق أوروبا، بينما لم يلتزم الاتحاد الأوروبي، مثلما لم تلتزم اليونان بطلب الوساطة الألمانية التي أوقفت احتمال الحرب وذهبت أثينا لإبرام اتفاق لترسيم الحدود البحرية، وتعلم ميركل أن أردوغان لايريد عداء الاتحاد الأوروبي ولكن شراكة استراتيجية فيها ندية.
وتزعم صحيفة "إستيا" اليونانية، فإنه في حالة استجابة أثينا للطلب الألماني، ستظل أعين الأتراك على الجزر حتى يتمكنوا من تكرار غزو قبرص (الغزو التركي لقبرص جاء ردة فعل على إنقلاب لضباط متطرفين بالجيش القبرصي خلال السبعينيات، بهدف ضم قبرض لليونان والقضاء على حقوق الأقلية التركية التي حصلت عليها وفقا لاتفاقات وتفاهمات دولية).
وتشكك تركيا في أحقية قبرص في التنقيب في المياه حول الجزيرة لأنها تقول إن إدارة نيقوسيا لا تمثل مصالح القبارصة الأتراك. بينما ترفض قبرص هذا الزعم، إذ أنها معترف بها قانونا كممثل عن الجزيرة بالكامل، علمًا ان القبارصة اليونانيين هم الذين رفضوا التسوية التي توصلت إليها الأمم المتحدة لحل أزمة الجزيرة المقسمة.