الفقر المذل والثراء المضل في الاردن

مائتان وخمسون منسفا ( عرمرميا ) أندلقت يوم الجمعة الماضي في بطون الف وخمسماية مدعو الى وليمة عرس في إحدى المدن.   
وفي اليوم التالي كان هناك حفل عشاء لعريس في فندق خمس نجوم بعمان , كانت الفاتورة اربعين الف دينار منها اربعة الاف دينار ثمن ورود نثرت على الطاولات ناهيك عن الشموع التذكارية التي تحمل صورة العروسين والهدايا وما لم أسمع عنه فيما يروى عن بذخ الباذخين وجنون المترفين , وفيما ما كانت سيارة ( الليموزين) تجوب بالعروسين شوارع غرب العاصمة في ساعة متأخرة من الليل , كانت هناك سيدة وكهل معاق ينقبان في أحدى حاويات القمامة عن  ( البلاستيك والقصدير ) وحين التفتت السيدة الى الموكب  البهيج دعت الله قبيل الفجر أن يجرب ( العريسان ما نحن فيه ) فرب دعوة  في ساعة أستجابة ؟
في الجانب الاخر من المشهد الاردني أصدر قاضي التنفيذ قرارا بحبس رب أسرة لمدة عشرة أيام لتخلفه عن سداد مبلغ سبعين دينارا لحساب الدائن في القضية التنفيذية  وبالنتيجة قد يفقد المحكوم عمله في شركة مقاولات اذا تم تغييبه في السجن من أجل سبعين دينارا .
ما زلت حائرا كيف يتدبر موظف يتقاضى راتبا مائتين وخمسين دينارا ويعيل زوجة وطفلين  أمر أسرته !! . وفي الحديث النبوي أنه عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله ( من الهم والحزن و من غلبة الدين وقهر الرجال ) , وحين أنظر في هذه العبارات فانني أجد الفقر ماثلا في كل كلمة منها , فكم من رجل شريف بات محزونا مهموما لعائلته التي لاتجد ما يكفي من الغذاء والكساء ؟؟ فلجأ الى الاستدانة من هذا وذاك  حتى اذا عجز عن السداد أذل نفسه بكثرة تلمس الاعذار  والتواري عن الدائنين وابتداع الوعود والاكاذيب الى أنتهى أمره في السجن  ؟؟ ولم يرحم أحد عزيز قوم ذل .
وفي القول المنسوب الى أبي ذر الغفاري  ( عجبت لمن لا يجد قوت يومه ألا يخرج على الناس شاهرا سيفه ) والقول المنسوب للأمام علي كرم الله وجهه  ( لو كان الفقر رجلا لقتلته ) , فهل يدرك أصحاب الثراء  المؤدي الى الضلال مدى تأثير أعمالهم في تمزيق نسيج المجتمع  ووحدة ابناء الوطن ؟
ليست السياسات ولا الانتخابات وحدها التي تفتك بالمجتمع  وانما الافة الكبرى حين يجتمع الفقر المذل بالثراء الذي يتباهى ويتنافخ تيها وكبرا  , وحين لايدرك المتخم الباحث عن أدوية عسر الهضم في الصيدليات مدى فداحة البطون الخاوية في الشوارع والحارات المعطرة بالغبار  ؟؟
الفقر وحده ليس مشكلة حين يتكاتف الناس  وتبذل الحكومة ما في وسعها  , وحجب الاغنياء أموال الزكاة  ( الحق المعلوم للسائل والمحروم ) تركناه بينهم وبين ربهم  منذ أن غابت الشريعة  ونسينا كيف قاتل  الخليفة أبو بكر مانعي الزكاة  , هذا كله ليس مشكلة  وانما المشكلة في من يضرب على أيدي الاغنياء المجاهرين بالبذخ الفادح قهرا للفقراء والجائعين  ,, من يكبح جماح العائلات التي تتنافس في البذخ وتتحاسد في الاسراف والمظاهر ؟؟  انهم يلحقون ضررا بالمجتمع كله ويعبثون في الرماد بحثا عن قبس لا يخفي تحته غير الحرائق  .