محمد الصبيحي : المستشار القانوني .. شاغر وظيفي أم مانعة صواعق ؟

كل ما تكبدته الخزينة العامة من تعويضات عن قرارات خاطئة وكل ما أحيل للتحقيق أو المحاكمة من قرارات ارتكبها مسؤولون – حتى بحسن نية – شكلت جرم استثمار الوظيفة , كان يمكن تفاديها لو كان هناك في الموقع الوظيفي مستشار قانوني محترف , فابتداء من قضية الكازينو الى قضية الباص السريع الى قضايا الشركات المساهمة العامة الى التعيينات في المؤسسات العامة , كان غياب دور المستشار القانوني الخبير السبب الرئيس لتورط مسؤولين في قضايا أساءت الى سمعتهم والى الوظيفة العامة .
البلد مليء بالخبرات القانونية رفيعة المستوى ولكن في كثير من الحالات فان الموضوع ( الورطة ) لم يكن بسبب عدم القدرة على أخذ أستشارة قانونية دقيقة قبل أتخاذ القرار وانما رغبة المسؤول أن يكون بقربه مستشار قانوني يفتي له بما يحب لا بما يجب أن يكون !!
ورغبة المسؤول الاول في المؤسسة أن يكون دور المستشار القانوني مقتصرا على ( شرعنة ) الخطأ , والبحث عن منافذ قانونية في النصوص التشريعية لتبرير ارتكاب المسؤول لمخالفات إدارية ومالية , والتذاكي على القانون وتحول دور المستشار القانوني الى ( فهلوة ) وفذلكة , وهذا هو المستشار القانوني المحبب لدى بعض ممن يمتلكون القرار في مؤسسات الدولة .
أما الوجه الاخر للموضوع فهو النفاق القانوني و(الجبن القانوني) فكم رأينا من مستشارين قانونيين يرتجفون من قول كلمة لا لمسؤول , لا تقرر هذا فهو مخالف للقانون ,, وغيرهم فيهم طبيعة التقرب والتزلف للمسؤول بتجميل كل قراراته وسياساته والبحث عن وجهات النظر الضعيفة لاسناد قرار خاطىء , خوفا على الوظيفة أو أملا في تحسين الوضع الوظيفي حتى لو كان ذلك على حساب أمانة المهنة واحترام القانون , وقد كنا نسمع عن مسؤولين يأتون بالمستشار القانوني ويقولون له بالحرف ( بدي أخلص من فلان أو توريط فلان وعليك أن ( تخلق ) النص القانوني فيذهب المسكين باحثا غائصا بين القوانين والانظمة مفسرا للنص في غير موضعه ويأتي برأي قانوني يعرف مسبقا أنه خطأ وانما اراد تجنب غضب المسؤول والتقرب اليه .
ملايين الدنانير تذهب كل عام هباء منثورا لأحد سببين الاول جبن المسؤول عن اتخاذ القرار الصحيح والثاني غياب أو ضعف المستشار القانوني , وعلى سبيل المثال فان عدم اتخاذ القرار في الوقت الصحيح أو التغاضي وتجنب اصدار القرار يمكن أن يكبد وزارة ما مبالغ طائلة لأنها لم تستعمل حقا قانونيا في الوقت المناسب !! لماذا ؟ حتى يحتج المسؤول بالقول أنه لم يرتكب أي خطأ لأنه لم يتخذ قرارا وهو لا يعلم أن عدم اتخاذ القرار الواجب اتخاذه في الوقت الصحيح فساد أو أهمال فادح لايستحق صاحبه قيادة مؤسسة رسمية .
ان الدكتاتورية الكامنة في أعماقنا تملي علينا وأحيانا دون أرادة منا أن نرفض كل من يقول لنا كلمة ( خطأ قانوني ) القانون هو الذي يجب أن يكون في خدمة المسؤول تماما مثل تشكل ( المعجون ) بين يدي أطفال الروضة , أما أن يكون المسؤول في خدمة القانون والمؤسسة فهذا عار كبير ومؤشر على ضعف شخصية المدير العام .
المستشار القانوني المحترف مانعة صواعق حقيقية حتى لو ( كسر ) قراراتنا أو كان أكثر شجاعة فأوقف تنفيذها , وموقعه الحقيقي ليس سلم الوظائف العامة وانما سلم العلم والفهم والخبرة ولكننا كعرب تعودنا أن نتذكر مانعة الصواعق بعد أن تفعل الصاعقة فعلها (ولات ساعة مندم