مناظرة متميزة في كلية الحقوق

شهدت الجامعة الاردنية (أم الجامعات) يوم الاثنين الماضي مناظرة نظمتها كلية الحقوق بين أمين عام حزب جبهة العمل الاسلامي الشيخ حمزة منصور، وأمين عام حزب التيار الوطني السيد صالح ارشيدات حول ثلاثة محاور (الفساد، الاقتصاد، الانتخابات).
لست هنا في معرض المواقف والمضامين التي طرحها كل طرف وانما سأتناول الموضوع من جانب آخر, الفكرة والتنظيم والتأسيس لأعراف ديمقراطية مدنية حديثة.
فمن الفكرة فان أكثر ما لفت انتباهي أنها صدرت من كلية الحقوق والتي أحب تسميتها (كلية فرسان العدالة والشباب), والمنطق يفرض أن تكون كلية الحقوق بمثابة القلب للجامعة مثلما هو القانون وسيادة القانون قلب المجتمع المتحضر والدولة المدنية الحديثة الراشدة, وهكذا فانني أعتبر أن كلية الحقوق في الجامعة الاردنية قد استعادت دور القلب الذي أوشك الدم فيه سابقا على التجلط, في ظل أعراف فاسدة كانت دائما تسوق بأن الجامعة للتعليم وليست للسياسة وشؤون الدولة, اذ لم يكن كثيرون ممن قادوا جامعاتنا يميزون بين المدرسة الثانوية وبين الجامعة وما أرادوا الجامعات الا كرياض الاطفال, وعاء للتلقين والحفظ.
ان الفكرة والمبادرة المتميزة التي قادتها كلية الحقوق وعميدها الشاب المنفتح د. طارق الحموري، تذكرني بزيارات جلالة الملك للجامعات والتي كان يحض فيها الطلاب الى الانخراط في العمل الحزبي والسياسي وأخذ دورهم الغائب في التفاعل والمشاركة السياسية والمجتمعية, ومن هذا المنطلق ندعو كلية الحقوق ألا تتوقف في محطة واحدة فيموت القلب أو يتوقف فيدخل غرفة العناية الحثيثة.
ومن حيث التنظيم والتأسيس لأعراف ديمقراطية مدنية حديثة, فقد كان تنظيم الندوة وإدارتها من قبل عميد الكلية متميزا وجديدا على الحوارات السياسية الاردنية, فقد تم توزيع الوقت بالتساوي الكامل بين الطرفين وكانت هناك ساعة الكترونية على شاشة كبيرة ما أن ينتهي وقت المتحدث حتى ينطفئ الميكروفون، وكان من شروط المناظرة عدم المساس بكرامة الطرف الاخر وعدم توجيه أسئلة من طرف الى آخر، ومنع الحضور من إبداء علامات الاستهجان أو الاستحسان لأداء أو طروحات أي طرف ومنع التصفيق من قبل الجمهور الذي أمتلأت به القاعة والممرات الخارجية, الأمر الذي دفع بالمتناظرين الى التركيز وتكثيف الطرح ضمن السقف الزمني المحدد، والمتابعة والاصغاء من قبل الجمهور.
هذه الطريقة من المناظرات تؤسس بحق لعرف جديد من الحوار السياسي, فقد شاهدنا مباشرة كيف كان أداء السيدين حمزة منصور وصالح ارشيدات, احتراما عميقا متبادلا، حوارا منهجيا بمضامين معمقة، إصغاء وعدم مقاطعة بتاتا، سباقا على إقناع الجمهور بوجهة النظر, والنتيجة كانت أداء رفيعا متميزا لكليهما ولو سألني مراقب من الفائز منهما لقلت كانا فرسي رهان متوازيين على خط واحد.
هذا ما نسعى اليه وينبغي أن تحتذيه المحطات الفضائية المحلية في أدارة الحوارات, أما أن نشاهد على الشاشة من يشهر مسدسا, ومن يرفع حذاء, ومن يشتم ويتوعد، ومن يتهم ويخون (بتشديد الخاء) فذلك ليس حوارا ولا هي ديمقراطية.
أتمنى على محطاتنا الفضائية الاردنية بث مناظرة كلية الحقوق كاملة وأن نشاهد قريبا من يفعل مثلها على الشاشة الفضية فلربما يتتلمذ جمهورنا أو بعضه على الممارسة الحوارية الديمقراطية الحديثة والتي تليق بشعبنا الاردني المتعلم المثقف الاسلامي العروبي القومي الطامح لبناء مستقبل مشرق, وقد نكون بذلك النموذج الذي يحتذى عربيا في الحوار مثلما كنا وما نزال نموذجا يضرب به المثل في الامن وحرية الكلمة وسلمية الاحتجاج.
شكرا لعميد وأساتذة كلية الحقوق بالجامعة الاردنية وتهانينا لطلبة كلية الحقوق بكليتهم وهيئتهم التدريسية وتفاعلهم مع المجتمع وشؤون الدولة .
m.sbaihi@hotmail .com