قصة زائر دائم الى الجويدة

التقيت المواطن فوزي محمد يوسف في باحة محكمة بداية عمان.. تجاوز الستين من عمره ويعاني من عجز عام بحدود تسعين بالمائة من قواه الجسدية ( شلل نصفي ).. يجلس على كرسي متحرك.. زوجته فقدت نعمة البصر ولا مصدر للدخل سوى مايصله من وزارة التنمية الاجتماعية أو صندوق المعونة الوطنية حسبما تمكن من التعبير.

 

 

 

هذا المواطن زائر سنوي دائم لسجن الجويدة دونما جرم أرتكبه على الاطلاق،  والقصة على النحو التالي:

 

 

 

قبل اربع سنوات أو خمس كان فوزي يمتلك سيارة عمومي شبه تالفة قام بتأجيرها الى سائق،  وفي أحد الايام صدم السائق الارعن مواطنا وأدى الحادث الى وفاة المواطن وسجن السائق لعدة أشهر،  بينما قامت شركة التأمين بدفع التعويض لعائلة المتوفى،  ولأن السائق ارتكب خطأ فادحا-لا أعرف تفاصيله - فان شركة التأمين بادرت الى رفع دعوى مدنية على السائق ومالك السيارة تطالب بالزامهما بدفع قيمة التعويض الذي سددته لعائلة المتوفى،  وحصلت بالنتيجة على حكم قطعي بالمبلغ وقامت بتنفيذ الحكم على المواطن فوزي،  ولما كان فوزي معدما فقد عجز عن دفع المبلغ أو تقسيطه فكان أن طلب محامي الشركة حبس المدين حسب أحكام قانون التنفيذ فصدر الحكم بحبس فوزي مدة تسعين يوما في الجويدة،  ولأن القانون لايجيز حبس المدين الا لمدة تسعين يوما في العام الواحد فان فوزي يذهب الى ضيافة نزلاء الجويدة ومنذ أربع سنوات لمدة تسعين يوما في كل عام،  وها هو الان يستعد برفقة كرسيه المتحرك لتسعين يوما جديدة في منتجع الجويدة السياحي.

 

 

 

فوزي يحتاج الى من يساعده في الطعام والشراب والنوم وقضاء الحاجة وبهذا فهو السجين الاكثر كلفة والاكثر الما ومعاناة،  ولربما يجد في السجن راحة وخدمة لاتتوفران له في البيت قرب عجوزه الضريرة وبالمجمل فان السجن يوفر له الطعام والشراب والخدمة والعلاج والمبيت على حساب الدولة.

 

 

 

وبدون شك فان رجال الامن في الجويدة يعانون عمليا في خدمته ويعانون انسانيا في مشاعرهم تجاهه.

 

 

 

كم تتكلف الدولة في الانفاق على مدينين معسرين أو معدمين قام دائنوهم بطلب حبسهم ولا يملك القاضي الا تنفيذ النص القانوني في قانون التنفيذ؟ فلا الدائن أستوفى حقه ولا المدين خرج الى العمل والكسب بل ان الدولة تحولت الى دافع الغرم وكأنها هي المدين.

 

 

 

بصراحة أي قانون هذا الذي يجيز حبس مدين مثل فوزي ؟ لماذا لايمثل فوزي أمام قاضي التنفيذ ليشاهد بأم عينيه أنه يصدر قرارا بحبس خيال أنسان ؟ ولم لا يستدعي القاضي مدير شركة التأمين لينظر بنفسه حال المدين الذي يسلم نفسه تلقائيا فور صدور القرار السنوي بالحبس ؟! محامو الشركة بدورهم كيف يقبلون لأنفسهم أنسانيا ومهنيا أن يطلبوا حبس هذا المدين.

 

 

 

هناك شيء أسمه حقوق أنسان،  وشيء أسمه رحمة،  ولو كنت مكان قاضي التنفيذ لأستعنت بنصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان كاتفاقية دولية لأتفادى حبس مواطن مثل فوزي.

 

 

 

يجب تعديل قانون التنفيذ وبسرعة لمنع حبس المدين المعسر الذي يعاني من عجز جسدي أو على الاقل تكليف الدائن بدفع نفقات حبسه اذا كان مصرا على طلب الحبس،  وحينها ستتراجع شركة التأمين عن حبس فوزي،  فقد تجاوزت نفقات الحبس التي تكبدتها الدولة مبلغ الدين المطلوب منه .

 

 

 

m.sbaihi@hotmail.com