أزمة العدالة الجنائية في الاردن

تعاني محاكم البداية في المملكة من أكتظاظ القضايا الجزائية بحيث ارتفع مدور قاضي الجزاء في محاكم عمان على سبيل المثال من ثلاثين قضية خلال الشهر قبل ثلاثة أعوام تقريبا الى ستين قضية شهريا في العام 2013.
وباعتبار أن القضايا الجزائية التي ينظرها قضاة محاكم البداية هي من صنف الجنح والجنايات المحولة اليهم من المدعين العامين وتستدعي حضور ( مدعي عام ) في كل جلسة تعقدها المحكمة فان أنشغال المدعين العامين في القضايا التحقيقية التي يتولونها يحول عمليا دون حضورهم جلسات المحاكم لتمثيل الحق العام في كل قضية،  الامر الذي أستدعى الاستعانة بمدعين عامين من ضباط الامن العام الحقوقيين.
وتكمن المشكلة في أن المدعي العام الذي تولى التحقيق في القضية هو الوحيد الذي يلم بكافة جوانبها ويستطيع مناقشة الشهود وتقديم البينات بصورة ناجعة تحفظ العام وهو الاكثر خبرة في الموضوع في حين أن المدعين العامين المنتدبين من الامن العام انما جاء أنتدابهم أساسا حتى يكتسبوا خبرة في المحاكم النظامية،  ومن هنا فان الساحة غالبا خالية لمحامي الدفاع،  ويضطر القاضي أحيانا لممارسة دور أكبر في حماية الحق العام وحقوق الضحايا.
ومن جانب أخر هل من المعقول أن يجد القاضي الوقت الكافي لمعالجة ستين قضية على درجة عالية من الاهمية والحساسية ؟؟ بما فيها من قرارات توقيف وحجز حرية ومنع سفر وبينات ودفاع وأخلاء بالكفالة وطلبات متنوعة؟
ان ما يحدث في المحاكم الجزائية أمر فوق طاقة القضاة وقد شاهدنا كيف يبدأ هؤلاء الرجال حراس العدالة عملهم منذ التاسعة صباحا وحتى الثالثة الى أن تتبدى علامات الارهاق على وجوههم،  ورأينا كيف يضطرون لحمل ملفات القضايا الى بيوتهم للعمل حتى ساعات متأخرة من المساء،  ورأينا في كثير من الحالات كيف لا يجد القاضي منهم وقتا لسماع الشهود الذين تجشموا عناء الحضور والانتظار وسط الازدحام في ردهات المحاكم ثم يفاجأون بأن المحكمة عاجزة عن سماع شهاداتهم لضيق الوقت،  الامر الذي يعطل أعمالهم ويدفع كثيرين منهم لرفض الحضور الى المحكمة الى أن يضطر القاضي أحيانا لأصدار أمر جلب للشاهد بواسطة الشرطة. وهنا يأتي التساؤل: ما المانع من نظر القضايا الجزائية على فترتين صباحية ومسائية تكون فيها المحاكم خالية من المراجعين والاعمال الادارية ؟؟
ان ما يحدث بشكل مجمل أدى تلقائيا الى أطالة أمد التقاضي في القضايا الجزائية وعجز الضحايا عن نيل حقوقهم لفترات طويلة وبالنتيجة ضعف مصداقية العدالة الجنائية في نفوسهم ولجوء بعضهم الى ترك تلك الحقوق أو ممارسة عنف ضد المتهمين وخلق مشاكل وخلافات ومشاجرات بين أطراف عائلاتهم.
وفي بعض القضايا الجنائية ذات الطبيعة الخطرة التي تنظرها هيئة جنايات من قاضيين فان المحكمة لا تستطيع نظريا تأجيل القضية لمدة تتجاوز أسبوعا ولكن من الناحية العملية هذا أمر مستحيل لكثرة القضايا ولذلك وجدنا قضايا تتعلق بجنايات مالية تستمر لفترة طويلة دون فصل.
أزمة العدالة الجنائية في الاردن بدأت تطل برأسها منذ عامين تقريبا وتتجذر الان وتتسع وتحتاج الى معالجة عاجلة ولا أعتقد أنه يوجد لها حل سوى زيادة أعداد قضاة محاكم البداية باستقطاب خبرات من أوساط المحامين المحترفين بصورة عاجلة بالاضافة الى ضرورة أن يتولى المدعي العام الذى أجرى التحقيق في القضية الحضور والمتابعة أمام المحكمة .