ما قاله رئيس هيئة مكافحة الفساد

حول ما قاله رئيس هيئة مكافحة الفساد
المحامي محمد الصبيحي
( سياسة المحاباة والتهاون والتغاضي عن الاخطاء أوجدت ثقافة التساهل والاستقواء على الدولة بكل مكوناتها وهيأت مناخا ملائما ترعرع تحت مظلته الفاسدون ) هذا ما قاله رئيس هيئة مكافحة الفساد خلال لقائه مسؤولي وحدات الرقابة الداخلية في الوزارات والمؤسسات الرسمية يوم الاحد الماضي , وهو تشخيص دقيق لبداية جذور الفساد في البلد , حيث يبدأ الامر فعلا بالمحاباة والتغاضي عن الاخطاء بسبب الاهمال وضعف الرقابة أولا وبسبب الاسقواء بالواسطة أو العشيرة أو الجهوية ثانيا , لتأتي بعدها المرحلة الثانية من الاخطاء التي يشعر فيها الشخص أن أحدا لا يجرؤ على محاسبته على الاخطاء ليبدأ بأستثمار الوظيفة بقبض العمولات وتسريب الاسرار ذات المنفعة الاقتصادية والتنفيعات من خلال العطاءات والتراخيص وغيرها والنتيجة تراجع مراكز أصحاب الكفاءة والشرفاء وفقدان دوائر الرقابة هيبتها ودورها وأتساع شبكة الفساد وأستعصائها على الاجتثاث أو المكافحة الى حد كبير .
نعم الخطأ والاهمال في غياب المحاسبة والعقاب هو البذرة الاولى للفساد , وحتى نستطيع السيطرة على نبتات الفساد الطفيلية والمتسلقة علينا بداية التخلص من البذور السيئة , باعادة قراءة منظومة الرقابة الداخلية وهذا في رأيي يتم من خلال ثلاثة محاور
الاول : تعديلات تشريعية على نظام الخدمة المدنية تمنح وحدات الرقابة الداخلية ذراعا تنفيذيا وحماية أدارية ضد التأثير على قراراتها وتقاريرها و تحديد مفهوم الخطأ والاهمال في النظام بشكل دقيق وتشديد المحاسبة وتدرج العقوبة وتشديدها
الثاني : تعديل تشريعي على قانون ديوان المحاسبة بما يمنح رؤسات الوحدات ومدققي الديوان صفة الضابطة العدلية وسلطة رئيس الديوان في الاحالة الى النيابة العامة .
الثالث : توسيع دور النيابة العامة الادارية لدى محكمة العدل العليا والتي يقتصر دورها حاليا على المرافعة عن المؤسسات الرسمية في القضايا الادارية التي ترفع ضدها و بمعنى أن دور النيابة العامة الادارية الان هو الدفاع عن الخطأ والصواب معا وهذا غير منطقي ويتنافى مع مبادى الشفافية والعدالة , ومن هنا فان الحاجة ماسة الى منح النيابة العامة الادارية سلطة التحقيق في الاخطاء الادارية ومراقبة تنفيذ العقوبات الادارية دون محاباة أو تمييز وبشفافية تامة .
ان الجهل رديف الفساد , وكلاهما يلحق بالمصالح العامة والمال العام أضرارا فادحة , فكم من الاخطاء أرتكبها وزراء ومدراء – بحسن نية – وليس فيها فساد ولا أستثمار وظيفة ولا يطالها قانون العقوبات ولا قانون الجرائم الاقتصادية ولكن أضرارها كانت أحيانا أكبر من أضرار بعض جرائم الفساد , ونظرا لحالة الاستقواء والمحاباة كانت الحكومات تكتفي بنقل المخطى والجاهل من دائرة الى دائرة ومن مؤسسة الى مؤسسة لتمكينه من بلوغ سن التقاعد من أجل خروج آمن من الوظيفة العامة , وهي سياسة يمكن وصفها بأنها سياسة تعميم الجهل والخطأ .
ومن جانب أخر أشار معالي رئيس هيئة مكافحة الفساد الى وجود ( الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2013 – 2017 ) وهي أستراتيجية أسمع بها للمرة الاولى ولا أدري هل هي معلنة أم سرية ؟؟ من وضعها ومن أقرها ؟؟ , ومع ذلك فان وجودها بحد ذاته أمر جيد ويعبر عن وجود رؤية وخطة , وليس هبة صيف وفزعة مرحلية لمكافحة الفساد تماشيا مع ظروف الربيع العربي كما يزعم بعض المثبطين .
سيسقط فاسدون في شبكة النيابة العامة وسيفلت أخرون بدون شك فهناك فاسدون أغبياء وهناك فاسدون مهرة أذكياء يعرفون كيف ( يحبكونها ) ولذا فان ضمانة محاصرة الفساد الذكي تكمن في الاستراتيجة المحكمة والرقابة الجيدة والمحاسبة على الاخطاء .
وشكرا لجهود رئيس وأعضاء هيئة مكافحة الفساد وجهاز المدعين العامين لديها .