القانون الذي أستفز السلطة القضائية

القانون الذي أستفز السلطة القضائية

المحامي محمد الصبيحي

ليس مألوفا ولم نكن بحاجة الى أن تصل الاحتجاجات الجماعية الى صفوف السلطة القضائية لو كان هناك تشاور ومشاركة حقيقية من القضاة عند أعداد مسودة مشروع قانون أستقلال القضاء الذي أرسلته الحكومة الى مجلس النواب .

وبرغم أن وزارة العدل قالت وعلى لسان وزيرها أن لجنة من قضاة حاليين ومتقاعدين وضعت مشروع القانون الا أن ما لم تقله الوزارة أن ديوان التشريع واللجنة الوزارية القانونية لم يأخذا بكثير من النصوص التي وضعتها اللجنة وجاء مشروع القانون غريبا حتى على أعضاء اللجنة الذين أعدوه  , الامر الذي يضعنا أمام تساؤل مثير حول الهدف من تشكيل اللجنة وعدم الاخذ بتوصياتها ؟؟ ثم نبدأ في التكرار بأن مشروع القانون  تم أعداده من قبل القضاة ؟!! .

خرج مشروع القانون من الادراج السرية الى العلن فور وصوله الى مجلس النواب ففوجىء رجال القضاء بمشروع يكبل أيديهم ويحجر على أجتهاداتهم ولا يضمن الحد المقبول من أستقلالهم وحصانتهم وأمنهم الوظيفي  والمعاشي , وأغلب ظني أن اعضاء المجلس القضائي يشعرون في سريرتهم بخيبة أمل ناهيك عن عموم القضاة في كافة محاكم المملكة .

وان كان العرف أن شيوخ القضاء في محكمتي التمييز والعدل العليا يعزفون عن التصريح علنا عن عدم رضاهم وسخطهم على المشروع ويترفعون عن المطالبة بامتيازات وظيفية ومعاشية  فان صمتهم لايعني الموافقة فالحديث الذي يدور في غرف المداولة المغلقة لا يبتعد كثيرا عما دار في الاجتماع العام للقضاة في قصر العدل الاسبوع الماضي .

تداولت الحكومة مرارا وتكرارا مع الاحزاب السياسية في شأن مشروع قانون الاحزاب فلم لم تسلك الطريق نفسه وبصورة موسعة مع القضاة ؟؟ سؤال برسم أجابة جريئة  ؟؟ أما جوابي شخصيا على ذلك فانه ومهما كانت الاعذار في ذلك فان الحقيقة أن قانون الاحزاب لايضير الحكومة ولا يؤثر عليها في كثير أو قليل أما قانون أستقلال القضاء فانه القانون الذي يخص سلطة لها الرقابة على أعمال الحكومة وقراراتها وعلى الوزارء وأفعالهم اذا ما خالفت القانون وعلى النواب وانتخاباتهم ,, انها سلطة كبح التعسف والظلم والتعدى على الافراد والاموال والقانون والمرافق العامة والمصلحة العامة ومكتسبات الشعب  ,, سلطة قادرة على الغاء قرارات مجلس الوزراء اذا حادت عن العدالة والمساواة وتعسفت في أستعمال السلطة  , سلطة منها النيابة العامة للدولة والتي اذا ما حصلت على حصانة كاملة وفق المعايير الدولية فلن يكون هناك فاسد بمنأى عن يد المدعي العام مهما كان نفوذه وسطوته ومركزه .

وبالعودة الى مشروع القانون وليس هنا مجال تحليله ونقده بالتفصيل  الا أن قراءته الاولى تضعنا أمام مجموعة كبيرة من النصوص ( العقابية ) والتحذيرات والتنبيهات أكثر بكثير من النصوص التي تضفي على القضاء هيبة وحصانة وأستقلالا وتمنح رجاله  ميزات تجعلهم في غنى عن الاخرين وتضعهم في مكانة مرموقة في المجتمع تتناسب مع ضخامة المسؤولية القانونية والاخلاقية التي تقع على كواهلهم  ومع القيود الاجتماعية التي تفرضها عليهم طبيعة وظيفتهم القضائية .

ان تلك النصوص العقابية بحق القضاة توحي بأمرين : الاول أن هناك مشكلة مسلكية ومهنية ملموسة جاءت النصوص التشريعية لمعالجتها  والثاني  نظرة الشك الى كفاءة ومعرفة القضاة الاردنيين وخاصة من خلال النصوص التي رتبت حق مقاضاة القاضي من قبل المواطنين ومطالبته شخصيا بالتعويض عن الخطأ في المحاكمة , وهذه سابقة خطيرة ستكون نتيجتها تراجع الفصل في القضايا المنظورة وتكدسها أمام القضاة الى درجة أن يستغرق النظر في قضايا الصلح والبداية سنوات  خاصة في ضوء تزايد أعداد القضايا ونقص عدد القضاة وضيق المحاكم .

لقد أنتخب القضاة مؤخرا لجنة من بينهم لوضع ملاحظاتهم ومقترحاتهم على مشروع القانون ومتابعتها مع أعضاء مجلس النواب , وقد باشرت اللجنة أجتماعات متواصلة ومن المتوقع أن تنهي أعمالها خلال الاسبوع الحالي  ونحن جميعا كرجال قانون بانتظار مقترحات اللجنة وتوصياتها لتكون منطلقا للحوار الذي نأمل أن يفضي الى مشروع قانون توافقي عصري يكون أنموذجا يحتذى للقضاء العربي . 

- ينشر بالتزامن مع موقع عمون -